نصر حامد أبو زيد
15
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
وجلد شارب الخمر . . إلخ أمر يتجاهل مقاصد الشريعة وأهداف الوحي في تشريع هذه الحدود . إن الشريعة كما يعلم الطالب المبتدئ ، من « علوم القرآن » صاغت نفسها مع حركة الواقع الاسلامي في تطوره . لذلك نجد أن النص القرآني يختلف من حيث مضمونه وأسلوبه في مرحلته « المدنية » عنه في مرحلته « المكية » . وليس هذا الاختلاف في المضمون والأسلوب إلا انعكاسا لتغاير هاتين المرحلتين في تطور الوحي : المرحلة الأولى مرحلة تأسيس « مجتمع » جديد نقيض للمجتمع السائد المسيطر في « مكة » . وفي هذه المرحلة كان تركيز النص على تكوين « الفكر » الجديد للمجتمع الجديد متمثلا في عقيدة التوحيد ونفي الشرك . كانت هذه المرحلة هي مرحلة تكوين الأسس التي تعيد تشكيل الوعي بما يتلاءم مع ظروف الواقع الجديد الذي أراد أن يصوغه النص . في هذه المرحلة لم يكن ثمة حاجة لأي تشريع عملي ، فالتشريعات لا تصاغ إلا في واقع حي متحرك . وكانت المرحلة الثانية في تطور الوحي هي مرحلة « البناء الاجتماعي » وتقنين هذا البناء ، وهي مرحلة لم تبدأ إلا مع استقرار المجتمع الجديد في مكان يمكن أن يكون أساسا لدولة واضحة المعالم ، محددة الحدود والأطراف . كان هذا المكان هو « المدينة » حيث توافرت أسس المجتمع كما كان يمكن أن تتوفر في تلك المرحلة التاريخية . ومع تمايز ملامح المجتمع الجديد في « المدينة » عن المجتمع القديم في « مكة » وانفصاله عنه بدأ الصراع بين المجتمعين ، وبدأت التشريعات تترى . إن البدء بمطلب تطبيق أحكام الشريعة يتناسى أن مفهوم « الحدود » ذاته يفترض « المحدود » فليس ثمة « حد » بغير مضمون يحتويه ويكون « حدا » له . ومقاصد الشريعة من « الحدود » حماية المجتمع من الانحراف والمنحرفين ، بمعنى أن « الحدود » تفترض أولا وجود المجتمع المسلم الذي تحميه هذه الحدود . وإذا كان المنطلق النظري للخطاب الديني المعاصر - على تفاوت نظرات ممثليه وخلافهم في التفاصيل - أن المجتمعات المعاصرة مجتمعات « جاهلية » كان طرح مبدأ « تطبيق أحكام الشريعة » بمثابة حرث في البحر لا جدوى منه . ومن المؤسف أن تتبنى كل أحزابنا السياسية هذا المطلب رغم افتراض اختلاف المنطلقات النظرية لكل حزب من هذه الأحزاب ، وهو أمر يكشف إلى أي حد وصل التعتيم الفكري في مجال الفكر الديني في ثقافتنا المعاصرة . وإذا كان هذا الحل السلفي - في حقيقته وجوهره - يتنكر - دون أن يدري - لمقاصد الوحي وأهداف الشريعة حين يفصل بين « النص » والواقع ، وذلك بالمطالبة بتطبيق « نص » مطلق على « واقع » مطلق ، فان بلورة مفهوم للنص قد يزيل بعض جوانب هذا التعتيم ، وقد يكشف القناع عن حقيقة الوجه « الرجعي » لهذا الفكر وامتداداته في التراث ، وحقيقة عدم انفصاله عن تيار ثقافة الطبقة المسيطرة ، تيار الثقافة الرسمية الاعلامية .